الاستثمار العقاري في بريطانيا.. شراء العقار للتأجير يتغير بعد 30 عاماً

الأحد، 20 سبتمبر 2026 - 09:13
Image Credit :https://www.pexels.com/@altaf-shah-3143825/

يشهد سوق الاستثمار العقاري في بريطانيا تحولاً في نموذج شراء العقار للتأجير Buy-to-Let، الذي توسع على مدى ثلاثة عقود، مع ارتفاع تكاليف الرهن العقاري وزيادة الأعباء الضريبية والتنظيمية وتباطؤ أسعار المنازل، في وقت يبيع فيه بعض الملاك عقاراتهم بينما يستحوذ مستثمرون آخرون على وحدات مؤجرة بالفعل.

وذكرت صحيفة فايننشال تايمز Financial Times أن قروض شراء العقار للتأجير، التي ظهرت في بريطانيا في سبتمبر 1996، ساهمت في تغيير سوق الإيجارات عبر تسهيل حصول المستثمرين الأفراد على تمويل لشراء العقارات وتأجيرها، إلا أن الظروف التي دعمت نمو هذا النموذج تغيرت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.

ما هو نموذج شراء العقار للتأجير Buy-to-Let؟

يقوم نموذج شراء العقار للتأجير Buy-to-Let على شراء المستثمر منزلاً أو شقة بهدف تأجيرها وتحقيق دخل دوري من الإيجار، بدلاً من شراء العقار للسكن الشخصي.

ويمكن للمستثمر تمويل عملية الشراء من أمواله الخاصة أو باستخدام قرض عقاري مخصص لهذا النوع من الاستثمار يعرف باسم Buy-to-Let Mortgage.

ويختلف هذا النوع من التمويل عن الرهن العقاري المخصص للسكن الشخصي، إذ يدخل الدخل الإيجاري المتوقع من العقار ضمن العوامل الرئيسية التي ينظر إليها المقرض عند تقييم التمويل.

وبصورة مبسطة، يعتمد العائد الذي يحققه المستثمر على عنصرين رئيسيين: صافي الدخل الناتج عن الإيجار، والزيادة المحتملة في قيمة العقار عند بيعه مستقبلاً.

22.3 جنيهاً مقابل كل جنيه استُثمر منذ 1996

حقق المستثمرون الذين دخلوا سوق شراء العقارات للتأجير في بريطانيا خلال المراحل الأولى عوائد قوية على المدى الطويل.

وبحسب تحليل لشركة هامبتونز Hamptons أوردته فايننشال تايمز، فإن كل جنيه إسترليني واحد استُثمر في متوسط عقار Buy-to-Let في بريطانيا في أواخر عام 1996 كان سيحقق بحلول 2026 إجمالي عوائد يبلغ 22.30 جنيهاً إسترلينياً، بما يشمل ارتفاع قيمة العقار وصافي دخل الإيجارات بعد تكاليف التشغيل.

واللافت أن نحو ثلثي هذه العوائد جاءت من دخل الإيجارات وليس من ارتفاع قيمة العقارات، ما يبرز الدور الذي لعبه العائد الإيجاري في أداء هذا النوع من الاستثمار على المدى الطويل.

لكن الظروف التي ساعدت على تحقيق تلك المكاسب لم تعد كما كانت قبل عقود، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتغير البيئة الضريبية والتنظيمية وتباطؤ نمو أسعار المنازل.

تراجع تمويل شراء العقارات للتأجير

تظهر أحدث بيانات بنك إنجلترا Bank of England تراجع حصة التمويلات العقارية الموجهة إلى Buy-to-Let. وشكلت هذه القروض 8% من إجمالي قيمة التمويلات العقارية الجديدة في الربع الثاني من 2026، بانخفاض قدره 0.9 نقطة مئوية مقارنة بالربع السابق و1.2 نقطة مئوية على أساس سنوي، لتسجل أدنى حصة منذ الربع الثالث من 2024. وجاء ذلك رغم ارتفاع إجمالي قيمة التمويلات العقارية السكنية الجديدة في بريطانيا بنسبة 11.1% على أساس فصلي إلى 77.4 مليار جنيه إسترليني خلال الربع الثاني، وبزيادة 31.7% على أساس سنوي.

مستثمرون يشترون العقارات من ملاك آخرين

لكن الضغوط التي يواجهها بعض الملاك لا تعني تراجع المستثمرين جميعاً عن سوق العقارات المؤجرة.

وتكشف بيانات هامبتونز عن اتجاه معاكس لافت، إذ ارتفعت حصة المنازل التي اشتراها ملاك ومستثمرون بغرض التأجير في بريطانيا إلى 13.3% من إجمالي المشتريات بين يناير وأبريل 2026، وهي أعلى نسبة منذ بداية 2016.

والأهم أن 23% من العقارات التي اشتراها هؤلاء المستثمرون كانت مؤجرة بالفعل لدى المالك السابق، مقارنة بـ16% في 2025 ومتوسط بلغ 9.9% خلال الفترة من 2019 إلى 2023.

وتشير هذه الأرقام إلى أن جزءاً من النشاط الاستثماري الحالي لا يمثل إضافة عقارات جديدة إلى سوق الإيجارات، وإنما انتقال ملكية عقارات مؤجرة من مستثمر إلى آخر.

وقالت هامبتونز إن المستثمرين الأكبر حجماً يشترون في كثير من الحالات المنازل التي يعرضها ملاك أصغر للبيع، مستفيدين من ارتفاع الإيجارات في بعض المناطق وقدرتهم الأكبر على التعامل مع تكاليف التمويل والتشغيل.

وتختلف الصورة بصورة واضحة بين مناطق بريطانيا. ففي شمال إنجلترا ارتفعت حصة المستثمرين من مشتري المنازل إلى 23.9% خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، مقارنة بـ14.5% خلال الفترة نفسها من 2025.

أما في جنوب إنجلترا، الذي يشمل لندن والجنوب الشرقي والجنوب الغربي وشرق إنجلترا، فبلغت حصة المستثمرين 9.1% من المشتريات، مقابل 8.8% خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

قوانين جديدة لسوق الإيجارات في إنجلترا

يتزامن التحول في سوق شراء العقارات للتأجير مع تغييرات تنظيمية واسعة دخلت حيز التنفيذ في إنجلترا اعتباراً من 1 مايو 2026 بموجب قانون حقوق المستأجرين Renters' Rights Act 2025.

ومن أبرز التغييرات إلغاء عمليات الإخلاء بموجب Section 21، المعروفة باسم الإخلاء من دون سبب، وتحول معظم عقود الإيجار الخاصة المشمولة بالقانون إلى عقود دورية بدلاً من عقود الإيجار قصيرة الأجل محددة المدة بالنظام السابق.

وبموجب النظام الجديد، يتعين على المالك الاعتماد على أسباب قانونية محددة لاستعادة العقار، فيما يستطيع المستأجر الاعتراض على زيادة مقترحة في الإيجار إذا تجاوزت سعر السوق.

كما يسمح القانون للملاك برفع الإيجارات إلى مستويات السوق مرة واحدة سنوياً مع الالتزام بالإجراءات والإشعارات المقررة.

هل انتهى نموذج شراء العقار للتأجير؟

لا تشير البيانات الحالية إلى نهاية نموذج Buy-to-Let، بقدر ما تكشف عن تغير في طبيعة الاستثمار ومن يملك القدرة على الاستمرار فيه.

ففي الوقت الذي أدت فيه تكاليف التمويل والضرائب والمتطلبات التنظيمية إلى زيادة الضغوط على بعض الملاك، تظهر بيانات هامبتونز أن مستثمرين آخرين ما زالوا يشترون، وأن بعض المستثمرين الأكبر حجماً يستحوذون على عقارات مؤجرة يطرحها ملاك أصغر للبيع.

وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية للمستثمرين الدوليين الذين يدرسون الاستثمار العقاري في بريطانيا، إذ أصبحت دراسة العائد الإيجاري الصافي، وتكلفة الرهن العقاري، والضرائب، وتكاليف التشغيل والقواعد المنظمة للإيجارات أكثر أهمية عند تقييم جدوى شراء عقار للتأجير، بدلاً من الاعتماد بصورة رئيسية على توقعات ارتفاع أسعار العقارات.

وبعد ثلاثة عقود من إطلاق قروض Buy-to-Let، يبدو أن نموذج شراء العقار للتأجير في بريطانيا لا يختفي، لكنه يدخل مرحلة مختلفة قد تكون فيها القدرة على تحقيق تدفقات نقدية من الإيجار وإدارة التكاليف أكثر تأثيراً في العائد الاستثماري من الرهان على ارتفاع قيمة العقار وحده.