هل تنجح دبي في تجنب أزمات بيع العقارات على الخريطة التي هزّت أسواقاً عالمية مثل الصين وتركيا؟
يثير التوسع المستمر في بيع المشاريع العقارية على الخريطة في دبي تساؤلات حول مدى قدرة الإمارة على تجنب الأزمات التي ضربت دولاً عدة خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت مشاريع قيد الإنشاء في بعض الأسواق إلى وحدات غير مكتملة وأعباء مالية على المشترين. ومع بروز دبي كإحدى أهم أسواق بيع العقارات على الخريطة في العالم، يعود الجدل مجدداً حول مستوى المخاطر المرتبطة به، ومدى اختلاف السوق المحلي عن تجارب الصين وتركيا.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “البيان” في عددها الصادر اليوم، تعد دبي اليوم واحدة من أكثر المدن في العالم تنظيماً في سوق البيع العقاري على الخريطة، وهو نموذج يعتمد على بيع العقارات قبل اكتمال بنائها. وقد ساعد الإطار القانوني والتنظيمي الذي تم تطويره منذ منتصف العقد الأول من الألفية في تقليل المخاطر المرتبطة بهذا النوع من المبيعات، وجعل السوق أكثر جاذبية للمستثمرين.
وفي المقابل، شهدت أسواق عالمية أزمات حادة في مشاريع البيع قبل البناء بسبب ضعف الأطر التنظيمية أو غياب أنظمة الضمان. وتبرز الصين كأحد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ تشهد منذ عام 2020 أزمة عقارية حادة بعد تعثر عدد من كبار المطورين، أبرزهم مجموعة «إيفرغراند»، عقب تشديد القيود على الديون في القطاع.
وأدى ذلك إلى توقف آلاف المشاريع السكنية وترك ملايين الوحدات غير مكتملة، فيما يواجه المشترون التزامات سداد لقروض عقارية لمنازل لم يتم تسليمها بعد. وتشير تقديرات إلى وجود نحو خمسة ملايين وحدة سكنية غير مكتملة في أنحاء الصين، ما تسبب في تراجع ثقة المشترين والاستثمارات وخلق تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة.
كما شهدت تركيا خلال السنوات الماضية حالات تعثر في مشاريع البيع قبل البناء، خصوصاً بعد أزمة الليرة وارتفاع تكاليف البناء بين عامي 2018 و2022، حيث واجه بعض المطورين صعوبات مالية أدت إلى تأخر تسليم المشاريع أو توقفها، رغم أن المشترين كانوا قد دفعوا جزءاً كبيراً من قيمة العقار قبل اكتماله.
وفي ظل هذه التجارب، يبرز الفرق بين الأسواق التي تعاني ضعف التنظيم والرقابة، وأخرى تعتمد أطراً قانونية صارمة تربط الدفعات بتقدم البناء وتحمي أموال المشترين، كما هو الحال في دبي.
ويُعتبر نظام حساب الضمان في دبي، الذي تشرف عليه دائرة الأراضي والأملاك في دبي، أحد أبرز العوامل التي تميز السوق المحلي عن العديد من الأسواق العالمية. وبموجب هذا النظام يتم إيداع الدفعات التي يسددها المشترون في حساب مصرفي مخصص للمشروع، ولا يمكن للمطور سحب الأموال إلا وفقاً لنسب الإنجاز الفعلية في البناء.
ويقلل هذا الإجراء بشكل كبير من المخاطر التي واجهها المشترون في أسواق أخرى حول العالم، حيث استخدم بعض المطورين أموال المشترين في تمويل مشاريع مختلفة أو التوسع في مشاريع جديدة قبل استكمال المشروع الأصلي.
كما تفرض دبي على شركات التطوير العقاري مجموعة من المتطلبات التنظيمية قبل إطلاق أي مشروع للبيع على الخريطة، من بينها امتلاك الأرض أو إثبات القدرة التمويلية، وفتح حساب ضمان رسمي. كذلك تراقب الجهات التنظيمية تقدم البناء بشكل دوري عبر زيارات ميدانية يقوم بها مشرفون متخصصون لضمان التزام المطورين بالجداول الزمنية.
وإلى جانب التنظيم، يلعب الطلب الدولي دوراً مهماً في دعم سوق البيع على الخريطة في دبي، إذ أصبحت الإمارة مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمار، وجذبت خلال السنوات الأخيرة أعداداً متزايدة من أصحاب الثروات والمستثمرين الدوليين.
كما أصبحت دبي واحدة من أسرع مراكز إدارة الثروات نمواً في العالم، ما يعزز تدفقات رؤوس الأموال إلى القطاع العقاري. ومع توفر الإقامة طويلة الأجل وبرامج مثل الإقامة الذهبية، أصبح الاستثمار العقاري جزءاً من استراتيجية العديد من المستثمرين الراغبين في الاستقرار أو تنويع أصولهم.
وفي نهاية المطاف، يظهر نموذج دبي في تنظيم سوق البيع على الخريطة كيف يمكن للإطار القانوني الواضح والرقابة المؤسسية أن يحولا نموذجاً كان يُنظر إليه باعتباره محفوفاً بالمخاطر إلى أداة تمويل فعالة للتطوير العقاري.
