هل أصبحت عقارات لندن الفاخرة سوقاً للمشترين الخليجيين؟

الأحد، 4 أكتوبر 2026 - 15:00
Image Credit : https://www.pexels.com/@lajos-kristof-kantor-2158796893/

تتزايد المؤشرات على تحول سوق العقارات الفاخرة في لندن لمصلحة المشترين، مع اتساع الخصومات على الأسعار المطلوبة وارتفاع المدة اللازمة لبيع العقارات، في وقت يواصل فيه المشترون الدوليون، ومن بينهم مستثمرون من الشرق الأوسط، دعم الشريحة الأعلى سعراً من السوق، ما يكشف عن انقسام متزايد بين العقارات الفاخرة التقليدية Prime والعقارات فائقة الفخامة Super-Prime.
وتظهر بيانات حديثة نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية، نقلاً عن شركات أبحاث واستشارات عقارية بارزة، أن متوسط الخصم الذي يقبله بائعو العقارات الفاخرة في لندن ارتفع إلى 10.4% من السعر المطلوب خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ8.3% خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وفي الوقت نفسه، ارتفع متوسط الفترة التي تقضيها العقارات الفاخرة معروضة للبيع إلى 186 يوماً خلال النصف الأول من العام الجاري، مقابل 178 يوماً في النصف الأول من 2025، وفق بيانات شركة لون ريز LonRes.
وتعكس هذه المؤشرات تحولاً في ميزان التفاوض داخل أجزاء واسعة من السوق لمصلحة المشترين، إلا أن الصورة تختلف بصورة واضحة عند الانتقال إلى العقارات فائقة الفخامة التي تستهدف أصحاب الثروات الكبيرة.

خصومات تتجاوز 10% في سوق العقارات الفاخرة

تشير زيادة متوسط الخصم من السعر المطلوب من 8.3% إلى 10.4% خلال عام إلى تراجع قدرة البائعين على التمسك بتقييماتهم السابقة، مع ارتفاع المعروض وتراجع الطلب على بعض أنواع العقارات، خصوصاً الوحدات القديمة أو التي تحتاج إلى أعمال تجديد.
وتظهر أمثلة من السوق حجم إعادة التسعير التي تشهدها بعض العقارات. فقد انخفض السعر المطلوب لشقة في Queen's Gate Gardens بمنطقة ساوث كنسينغتون بنحو مليون جنيه إسترليني منذ العام الماضي إلى 4.4 ملايين جنيه، بينما خُفض سعر منزل قريب كان معروضاً مقابل 20 مليون جنيه إلى 14 مليون جنيه خلال العام الجاري.
وفي نايتسبريدج، أشار وكيل شراء عقاري إلى شقة في Pont Street بيعت مقابل 4.4 ملايين جنيه في عام 2014، ثم مقابل 3.5 ملايين جنيه لاحقاً، وأصبحت معروضة حالياً مقابل نحو 2.5 مليون جنيه.
وتقدر شركة سافيلز Savills أن بعض ملاك العقارات الذين اشتروا عند ذروة السوق قد يواجهون خسائر تصل إلى 25% في حال البيع بالأسعار الحالية.

العقارات تستغرق وقتاً أطول للبيع

لا يقتصر التحول على الأسعار، إذ أصبح بيع العقار الفاخر في لندن يستغرق وقتاً أطول.
وارتفع متوسط مدة عرض العقار في السوق إلى 186 يوماً خلال النصف الأول من 2026، أي أكثر من ستة أشهر، مقابل 178 يوماً خلال الفترة نفسها من 2025.
ويكتسب هذا المؤشر أهمية بالنسبة للمشتري الدولي، لأنه يأتي بالتزامن مع اتساع الخصومات، ما يعني أن بعض البائعين أصبحوا أكثر استعداداً للتفاوض بعد بقاء العقارات لفترات أطول في السوق.
وتزامنت هذه التطورات مع تراجع أسعار العقارات في عدد من أغلى مناطق العاصمة البريطانية. وبحسب بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني ONS، انخفضت أسعار العقارات في أحياء وسط لندن الداخلية بنسبة 8.3% على أساس سنوي حتى يونيو 2026.
وسجلت وستمنستر، التي تضم مناطق مثل مايفير وبلغرافيا ومارليبون، انخفاضاً بنسبة 25.4%، فيما تراجعت الأسعار في كنسينغتون وتشيلسي بنسبة 14.7%.

سوقان مختلفان داخل لندن الفاخرة

لكن قراءة سوق لندن باعتباره سوقاً هابطة بالكامل قد تكون مضللة، إذ تكشف البيانات عن مسارين مختلفين بصورة متزايدة.
ففي الوقت الذي تواجه فيه أجزاء من سوق العقارات الفاخرة التقليدية ضغوطاً على الأسعار وفترات بيع أطول، ارتفع النشاط في سوق العقارات فائقة الفخامة.
وقفز عدد مبيعات المنازل التي تبلغ قيمتها 10 ملايين جنيه إسترليني أو أكثر بنسبة 50% خلال الربع الثاني من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات نقلتها «الغارديان» عن شركة جيه إل إل JLL.
وفي الشريحة الأعلى، ارتفع عدد الصفقات التي تتراوح قيمتها بين 15 و20 مليون جنيه إسترليني بنحو 40% خلال الفترة نفسها، بحسب سافيلز.
ويشير ذلك إلى أن ضعف السوق لا يشمل جميع العقارات مرتفعة السعر بالدرجة نفسها.
فالعقارات التي تتمتع بمواقع استثنائية وإطلالات مميزة وتشطيبات حديثة، أو ما يعرف في السوق باسم Best-in-Class وTrophy Assets، لا تزال قادرة على جذب أصحاب الثروات الكبيرة، بل إن بعض هذه العقارات تشهد منافسة بين المشترين.
وفي المقابل، تواجه العقارات القديمة أو التي تحتاج إلى أعمال تجديد، حتى في المواقع الراقية، ضغوطاً أكبر على الأسعار.

المشترون من الشرق الأوسط يدعمون Super-Prime

تبرز هنا أهمية التحول بالنسبة للمستثمرين الخليجيين.
وأكد مسؤولون في قطاع العقارات الفاخرة في لندن استمرار الطلب من المشترين الدوليين على العقارات الأعلى جودة، مع الإشارة بشكل مباشر إلى المشترين الأميركيين ومن الشرق الأوسط باعتبارهم من الجهات التي تدعم سوق العقارات فائقة الفخامة في لندن.
ويعني ذلك أن المستثمر الدولي لا يعود إلى لندن بالضرورة لشراء أي عقار فاخر نتيجة انخفاض الأسعار، بل يتركز الطلب على الأصول النادرة التي يصعب تكرارها من حيث الموقع والجودة والحجم.
وسجل السوق بالفعل صفقات استثنائية خلال 2026، من بينها بيع منزل في تشيلسي بأكثر من 270 مليون جنيه إسترليني، في صفقة يُعتقد أنها الأكبر لمنزل منفرد في تاريخ السوق العقارية البريطانية.
كما يُتداول أن عقار The Holme، وهو قصر يضم 40 غرفة نوم داخل ريجنتس بارك، يقترب من صفقة بنحو 190 مليون جنيه، بعدما بيع مقابل 139 مليون جنيه في 2024.

لماذا يتراجع Prime بينما يصعد Super-Prime؟

يعود الاختلاف جزئياً إلى طبيعة المشترين في كل شريحة.
فالمشتري في السوق فائقة الفخامة يعتمد بدرجة أقل على التمويل العقاري، ويتعامل مع العقار باعتباره منزلاً عائلياً طويل الأجل أو أصلاً نادراً لحفظ الثروة، وهو ما يجعله أقل حساسية لتحركات أسعار الفائدة.
أما الأجزاء الأخرى من السوق الفاخرة، فتواجه مزيجاً من ارتفاع تكاليف التمويل وزيادة الضرائب العقارية والتغييرات الضريبية التي أثرت في الأثرياء المقيمين في بريطانيا، إلى جانب زيادة المعروض.
وشهدت بريطانيا أيضاً إلغاء النظام الضريبي المعروف بـNon-Dom، الذي كان يمنح بعض المقيمين الأثرياء معاملة ضريبية خاصة لدخولهم وأصولهم خارج المملكة المتحدة، وهو تحول أثّر في قرارات بعض أصحاب الثروات بشأن الإقامة والاستثمار في لندن.

بعض الأثرياء ينتقلون من الشراء إلى الإيجار

ويظهر تحول آخر قد يعيد تشكيل السوق الفاخرة، يتمثل في تفضيل بعض أصحاب الثروات الإيجار بدلاً من امتلاك العقار.
وتشير شركة بوشامب إستيتس Beauchamp Estates إلى أن 7 من كل 10 من عملائها في الشريحة فائقة الثراء يفضلون حالياً الإيجار بدلاً من الشراء، في محاولة لتجنب تكاليف الصيانة ورسوم الدمغة ورسوم الخدمات والضرائب العقارية، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن السياسة الضريبية.
وساهم ذلك في تقليص المعروض من العقارات الفاخرة المتاحة للإيجار، بينما ارتفعت إيجارات هذه الفئة بنسبة 1.6% على أساس سنوي حتى يونيو 2026، وفق بيانات سافيلز.
كما ارتفع عدد عقود الإيجار التي تبلغ قيمتها 5 آلاف جنيه إسترليني أسبوعياً أو أكثر بنسبة 17% خلال العام الماضي، وفق بيانات نايت فرانك Knight Frank.

توقعات أسعار عقارات وسط لندن حتى 2030

ورغم تحسن القوة التفاوضية للمشترين، لا تشير التوقعات الحالية إلى تعافٍ سريع للأسعار.
فقد خفضت شركة سترات آند باركر Strutt & Parker توقعاتها لنمو أسعار العقارات في وسط لندن الفاخر Prime Central London إلى 4.4% فقط حتى عام 2030، بعدما كانت تتوقع في بداية العام نمواً يتراوح بين 9% و12%.
ويعد خفض التوقعات بأكثر من النصف مؤشراً مهماً على تغير النظرة إلى مسار السوق خلال السنوات المقبلة، وليس مجرد انعكاس لتقلبات قصيرة الأجل.
كما أن ضعف توقعات نمو الأسعار قد يزيد الضغوط على البائعين الذين ينتظرون تعافياً سريعاً للسوق، ويمنح المشترين الذين لا يعتمد قرارهم الاستثماري على ارتفاع سريع في الأسعار مساحة أكبر للتفاوض.

هل أصبحت لندن سوقاً للمشتري الخليجي؟

تجمع المؤشرات الأربعة الرئيسية صورة مختلفة للسوق عن السنوات التي كانت فيها المنافسة بين المشترين الدوليين تدفع أسعار وسط لندن باستمرار إلى مستويات قياسية.
الخصم من السعر المطلوب ارتفع إلى 10.4%، ومدة البيع وصلت إلى 186 يوماً، وأسعار عدد من أهم مناطق وسط لندن سجلت تراجعات كبيرة، فيما خُفضت توقعات نمو أسعار Prime Central London حتى 2030 إلى 4.4% فقط.
لكن هذه الصورة لا تعني أن جميع العقارات الفاخرة أصبحت أرخص أو أسهل في الشراء.
ففي الطرف الأعلى من السوق، ارتفعت مبيعات العقارات التي تتجاوز 10 ملايين جنيه بنسبة 50%، مع استمرار الطلب على أفضل العقارات من المشترين الدوليين، ومن بينهم مشترون من الشرق الأوسط.
وبالتالي، يبدو أن الفرصة الحالية في لندن لا تكمن فقط في انخفاض الأسعار، وإنما في اتساع الفجوة بين الأصول النادرة عالية الجودة والعقارات الفاخرة التقليدية التي تواجه صعوبة أكبر في إيجاد مشترين.
وبالنسبة للمستثمر الخليجي، قد يجعل ذلك اختيار الأصل نفسه أكثر أهمية من الاتجاه العام لأسعار لندن: فالعقارات التي تحتاج إلى تجديد أو التي بقيت معروضة لفترات طويلة قد توفر مجالاً أكبر للتفاوض، بينما يمكن أن تستمر العقارات النادرة في مايفير وبلغرافيا ونايتسبريدج وكنسينغتون وغيرها من المواقع الرئيسية في جذب منافسة عالمية رغم ضعف السوق الأوسع.
وبذلك، تتحول سوق لندن الفاخرة من سوق كان ارتفاع الأسعار فيها واسع النطاق إلى سوق أكثر انتقائية، تحدد فيه جودة العقار وموقعه وندرته بصورة متزايدة ما إذا كان سيباع بخصم كبير أم بعلاوة سعرية.